بقلم: زهراء مهنا
بوتيرة متباينة على مدار 9 سنوات لم تتوقف الدولة السورية وحلفاؤها عن إطلاق رسائلهم السياسية والعسكرية إلى المنطقة الغنية بموارد الطاقة في شرق الفرات حيث يتغلغل الجنود الأمريكيون وقواعدهم العسكرية إلى جانب معامل ومعدات استخراج النفط والغاز ووسائط نقله وتهريبه عبر الحدود العراقية السورية من حقلي كونيكو والعمر الكبيرين وباقي الحقول الأخرى.
لماذا شرق الفرات تحديداً؟!
شكلت الجزيرة السورية بالنسبة لأمريكا غرفة عمليات للتحكم بالمعركة الدولية الكبرى، وبينما تجد أمريكا أن أي موقع لها في الشرق الأوسط مهما تضاءل حجمه يساعدها على بسط نفوذها في تلك المنطقة البعيدة جغرافياً عن حدودها السياسية لكنها تعتمد كثيراً على سطوتها الميدانية فوق الأراضي السورية، وذلك بهدف إدارة الحرب السورية الذي أثبتت الوقائع أنها لم تكن مجرد صراع فصائل مسلحة مع الدولة بقدر ما كانت صراعاً عالمياً أفرز الفشل الأمريكي في تحقيق الانتصار فيه نظاماً عالمياً جديداً بعيداً عن هيمنة المصالح الأمريكية عليه.
دقت ساعة الشرق
بالمقابل شكل تراجع الدور الأمريكي في الشرق الأوسط الناجم عن إخفاقاتها السياسية والعسكرية في العراق وسوريا وفلسطين وأفغانستان واليمن فرصةً للدولة السورية وحلفاءها لاستعادة منطقة شرق الفرات وإخراج الاحتلال الأمريكي منها، بعد أن كسبوا الفوز في الحرب واستعادوا معظم الأراضي السورية وتمكنوا من الحفاظ على بنية الدولة وحماية اقتصادها ومؤسستها العسكرية من الانهيار، وهذا يساعد بشكل كبير في تخفيف العبء المعيشي والاقتصادي الذي أصبح منهكاً بشدة ويشكل عامل ضغط كبير على الدولة بسبب سيطرة أمريكا على عصب الحياة في سوريا وحرمان الدولة السورية من حقول النفط والغاز التي كانت تؤمن للبلاد اكتفاءها الذاتي وتغطي حاجتها من المشتقات النفطية للمحطات الكهربائية ووسائل النقل والتدفئة والمعامل والمصانع وغيرها.
وبعد إحساس أمريكا بالخطر الوجودي في شرق الفرات بدأت بإرسال المزيد من التعزيزات العسكرية تحسباً لأي مفاجأة من الجيش السوري والقوات الرديفة.
حيث وصل آخر دفعات الأرتال العسكرية الأمريكية في تلك المنطقة إلى أكثر من 100 شاحنة كبيرة محملة بالعتاد العسكري واللوجستي دخل، يوم أمس، إلى قاعدة معمل وحقل غاز “كونيكو”، وحقل “العمر” النفطي.
أما في الطرف المقابل فقد بلغت الرسائل السياسية والعسكرية أوجها من قبل الدولة السورية والحلفاء وذلك بعد أن تجول وزيران سوريان لأول مرة قرب خطوط التماس مع الجيش الأمريكي في شرق الفرات.
والوزيران السوريان هما وزير الصحة الدكتور “حسن الغباش”، ووزير السياحة “محمد رامي مارتيني”.
واللافت أنها لم تكن جولة تفقدية عابرة بل تم خلالها افتتاح 3 منشآت صحية بعد إعادة تأهيلها، وهي:
-
- البناء التعليمي لمدرسة التمريض والقبالة في المعهد الصحي
- مخبر الصحة العامة في مجمع المشافي في الهيئة العامة لمشفى الأسد
- دار التوليد الطبيعي في حي الرشدية.
حلبة عض الأصابع تلتهب في شرق الفرات
ورغم أن الوزيران السوريان ليس لهما أي صفة عسكرية إلى أن تواجدهما على خط التماس مع الاحتلال الأمريكي وافتتاحهما المنشآت فيها إشارة إلى اقتراب عودة الأمور إلى طبيعتها في تلك المنطقة وإشارة أيضاً إلى أن شرق الفرات ليست منطقة منسية بالنسبة للدولة.
وخصوصاً أن تلك الزيارة تزامنت مع أمرين:
أولاً: تحركات العشائر السورية التي تشكل عاملاً مهماً في فتح أبواب جهنم داخل مناطق القواعد الأمريكية إذا ما توحدت تلك العشائر وأجمعت على خيار المواجهة لما لدى بنية العشيرة والقبيلة في سوريا من تماسك وقدرة على المبادرة والتحشيد.
ثانياً: التعزيزات العسكرية واستقدام العدة والعتاد على منطقة التماس أيضاً من قبل الجيش السوري والحلفاء ووجود حالة من التأهب والاستنفار حيث أصبح اليوم شرق الفرات على صفيح ساخن وبدأت لعبة عضّ الأصابع تأخذ شكلاً أكثر جديةً عن السابق.
صراع الأخوة في الشرق فتنة مدبرة والغرض معروف
حاولت أمريكا العبث بوحدة الدم في تلك المنطقة والإبقاء على حالة من عدم الاستقرار والاقتتال المستمر بين العشائر عبر التنافس على النفوذ وتأليب الأطراف على بعضها حيث تحدثت مصادر مطلعة عن عملية عسكرية تروج لها القوات الأمريكية بمشاركة ما يسمى قوات “الصناديد” و”مجلس قبيلة البكارة العسكري” و”مجلس هجين العسكري” و”مجلس دير الزور العسكري”، والتي تعمل جميعها تحت أمرة الجيش الأمريكي عبر مظلة قوات “قسد”، في محاولة منها لإعطاء الصيغة العشائرية العربية على تحركاتها.
إلا أن وجهاء القبائل والعشائر العربية ليسوا مؤيدين لمخططات المواجهات العسكرية التي يقوم الاحتلال الأمريكي بالترويج لها في منطقتهم، متحسسين خطر سيلان الدماء في هذه المنطقة، باعتبار جميع سكان المناطق الواقعة تحت سيطرة الجيش العربي السوري من طرف ومناطق سيطرة الاحتلال الأمريكي من طرف آخر، هي مناطق عشارية يتشارك جميع سكانها جذورهم المنحدرة من قبائل البكارة والعكيدات والمشاهدة، وغيرها من العشائر والقبائل العربية.
فيبدو موقف العشائر اليوم أكثر إدراكاً للعبة الأمريكية الخفية التي تنتهجها مع العشائر لتفتيتها وسهولة التحكم بها، حيث اجتمعت العشائر السورية اليوم في دير الزور لإيصال رسالة استهجان واستنكار للاحتلال الأمريكي.
كما أصدرت بياناً تهدد به الوجود الأمريكي في شرق الفرات وعلى كامل الأراضي السورية وجاء فيه:
“نحن جموع القبائل والعشائر العربية الممتدة على كامل مساحة الجزيرة السورية في دير الزور والرقة والحسكة والبوكمال والقامشلي نعلن عن تأهبنا بكامل الجهوزية والاستنفار جنباً إلى جنب مع الجيش العربي السوري والقوات الرديفة لمواجهة المحتلين وضرب قواعدهم وعتادهم ومواقعهم العسكرية التي جاءت لتقسيم أرضنا وسفك دمائنا.
وبعد أن أمعن المحتل في انتهاك كرامتنا وسيادتنا واستفزازنا بممارساته المشينة، نحذره وأدواته الرخيصة من شدة بأسنا الذي سيطال كامل وجوده على هذه الأرض وسيطرده محملاً بأذيال خيبته ويقضي على كل عملاءه الذين خانوا وطنهم ومهدوا له الطريق ليحتل شرق الفرات السوري ويسرق خيرات الشعب السوري من النفط والغاز والقمح.
وإذ نؤكد وقوفنا إلى جانب الجيش العربي السوري في الدفاع عن أرضنا وكرامتنا ندعو كل سوري حر شريف تسري في عروقه دماء النخوة والشهامة داخل الأراضي المحتلة وخارجها إلى أن يستجيب لنداء الكرامة بكل ما أوتي من قوة وإرادة ويهاجم كل جندي أو دبابة أو موقع للاحتلال ولا يسمح له أن ينام قرير العين فوق آبار النفط والغاز وحقول القمح والشعب السوري يعاني الويلات من سوء الوضع الاقتصادي ونقص موارد الطاقة والحصار الجائر”.
الخلاصة
إن العيون اليوم ترنو باتجاه منطقة شرق الفرات حيث يتجول الجندي الأمريكي في ظلمة الليل حارساً معدات تهريب النفط والغاز وهو على حافة التفجير أو القصف أو الاستهداف من قبل مختلف الأطراف التي يضر تواجده بمصالحها، ويبقى الخوف الأكبر من أكثر الجهات المستفيدة من إخراجه من تلك المنطقة وهي العشائر وأبناء المنطقة الذين اختنقوا بحالة فقدان الأمن والاستقرار وتحسسوا معاناة مجتمعهم السوري وأهاليهم من فقدان موارد الطاقة في ظل صيفٍ لاهبٍ لم تشهد سوريا شبيهاً له من قبل.